ابن الجوزي

16

المنتظم في تاريخ الأمم والملوك

والعمل بالحقّ في رعيّتهم والتشمير لطاعة الله فيهم ، والله يسأل أمير المؤمنين أن يوفقه لعزيمة الرّشد وصريمته ، والإقساط فيما ولَّاه الله من رعيته برحمته ومنّته ، وقد عرف أمير المؤمنين أنّ السواد [ 1 ] الأعظم من حشو الرعية وسفلة العامة ممن لا نظر له ولا رويّة ولا استدلال له بدلالة الله وهدايته ولا استضاء [ 2 ] بنور العلم وبرهانه في جميع الأقطار والآفاق ، أهل جهالة باللَّه ، وعمى عنه ، وضلالة عن حقيقة دينه وتوحيده والإيمان به ، ونكوب عن واضحات أعلامه ، وواجب سبيله ، وقصور أن يقدروا الله حقّ قدره ، ويعرفونه كنه معرفته [ 3 ] ، ويفرّقوا بينه وبين خلقه ، لضعف آرائهم ، ونقص عقولهم 9 / أوجفائهم عن التفكير والتذكير [ 4 ] ، وذلك [ 5 ] أنهم ساووا [ 6 ] بين الله / عز وجل وبين ما أنزل من القرآن ، فاطبقوا مجتمعين ، واتّفقوا غير متعاجمين ، على أنه قديم أوّل لم يخلقه الله ويحدثه ويخترعه ، وقد قال تعالى [ 7 ] في محكم كتابه : الَّذي جعله لما في الصدور شفاء ، وللمؤمنين رحمة وهدى : * ( إِنَّا جَعَلْناه ُ قُرْآناً عَرَبِيًّا 43 : 3 ) * [ 8 ] فكلّ ما [ 9 ] جعله الله فقد خلقه . وقال : * ( الْحَمْدُ لِلَّه ِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالأَرْضَ ، وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ 6 : 1 ) * [ 10 ] . وقال عزّ وجلّ : * ( كَذلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ من أَنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ 20 : 99 ) * [ 11 ] فأخبر أنه قصص لأمور تلا به متقدّمها . وقال : * ( الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُه ُ ثُمَّ فُصِّلَتْ من لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ 11 : 1 ) * [ 12 ] وكل محكم [ 13 ] مفصّل فله محكم ومفصّل [ 14 ] ، والله محكم كتابه ومفصّله فهو خالقه ومبتدعه .

--> [ 1 ] في ت : « أن الجمهور الأعظم والسواد الأكبر » . [ 2 ] في ت : « الاستضاء » . [ 3 ] في الطبري : « ويعرفوه كنه معرفته » . [ 4 ] في الطبري : « التفكر والتذكر » . [ 5 ] « وذلك » ساقطة من ت . [ 6 ] في ت : « ساوا » . [ 7 ] في ت : « وقد قال الله عز وجل » . [ 8 ] سورة : الزخرف ، الآية : 3 . [ 9 ] في الأصل : « فكلما » . [ 10 ] سورة : الأنعام ، الآية : 1 . [ 11 ] سورة : طه ، الآية : 99 . [ 12 ] سورة : هود ، الآية : 1 . [ 13 ] « محكم » ساقطة من ت . [ 14 ] « مفصل » ساقطة من ت .